العيني
291
عمدة القاري
عن أبيه فالأول : بريد ، والثاني : أبو بردة . والحديث مضى في كتاب الصلاة في : باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره ، وقد مر الكلام فيه هناك ، ورواه هناك عن خلاد بن يحيى عن سفيان عن بريد إلى آخره . قوله : ( بعضه ) في رواية الكشميهني : ( يشد بعضهم ) ، بصيغة الجمع ، والله أعلم بحقيقة الحال . 6 ( ( بابُ الإنْتِصارِ مِنَ الظَّالِمِ ) ) أي : هذا باب في بيان الانتصار ، أي : الانتقام . لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ * ( لا يُحِبُّ الله الجهْرَ بالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ وكانَ الله سَميعاً عَلِيماً ( النساء : 841 ) . هذا تعليل لجواز الانتصار من الظالم ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) * ( النساء : 841 ) . يقول : لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلاَّ أن يكون مظلوماً ، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، وذلك قوله : * ( إلا من ظلم ) * ( النساء : 841 ) . وإن صبر فهو خير له ، وقال عبد الرزاق : أخبرنا المثنى بن الصباح عن مجاهد في قوله : * ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم ) * ( النساء : 841 ) . قال : ضاف رجل رجلاً فلم يؤد إليه حق ضيافته ، فلما خرج أخبر الناس ، فقال : ضفت فلاناً فلم يؤد إلي حق ضيافتي . قال : فذلك الجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم حين لم يؤد إليه الآخر حق ضيافته ، وقال عبد الكريم بن مالك الجزري ، في هذه الآية : هو الرجل يشتمك فتشتمه ، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه ، لقوله تعالى : * ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) * ( الشورى : 14 ) . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المستبان ما قالا ، فعلى البادىء منهما ما لم يعتدِ المظلوم ) . * ( والَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) * ( الشورى : 93 ) . البغي الظلم : أي : الذين إذا أصابهم بغي المشركين في الدين انتصروا عليهم بالسيف ، أو إذ بغى عليهم باغٍ كره أن يستذلوا لئلا يجترىء عليهم الفساق ، فإذا قدروا عفوا . وروى الطبري من طريق السدي في قوله : * ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) * ( الشورى : 93 ) . قال : يعني فمن بغى عليهم من غير أن يعتدوا ، وروى النسائي وابن ماجة من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( دخلت على زينب بنت جحش فسبتني ، فردعها النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فأبت ، فقال لي : سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ، فرأيت وجهه يتهلل ) . قال إبْرَاهِيمُ : كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُسْتَذَلُّوا فإذَا قَدَرُوا عَفَوْا إبراهيم هو النخعي . قوله : ( كانوا ) أي : السلف . قوله : ( أن يستذلوا ) ، على صيغة المجهول وهو من الذلك ، وهذا التعليق ذكره عبد بن حميد في ( تفسيره ) عن قبيصة عنه ، وفي رواية قال منصور : سألت إبراهيم عن قوله : * ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) * ( الشورى : 93 ) . قال : كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترىء الفساق عليهم . 7 ( ( بابُ عَفْوِ الْمَظْلُومِ ) ) أي : هذا باب في بيان حسن عفو المظلوم عمن ظلمه . لِقَوْلِهِ تعالاى : * ( إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عنْ سِوءٍ فإنَّ الله كانَ عَفُوُّاً قَدِيراً ) * ( النساء : 941 ) . هذا تعليل لحسن عفو المظلوم . قوله : * ( إن تبدوا ) * ( النساء : 941 ) . أي : تظهروا * ( خيراً ) * ( النساء : 941 ) . بدلاً من السوء * ( أو تخفوه ) * ( النساء : 941 ) . أي : أو أخفيتموه ، أو عفوتم عمن أساء إليكم فإن ذلك مما يقربكم إلى الله تعالى ويجزل ثوابكم لديه ، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم ، ولهذا قال : * ( فإن الله كان عفواً قديراً ) * ( النساء : 941 ) . ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله تعالى ، فيقول بعضهم : سبحانك على حلمك بعد علمك ، ويقول بعضهم : سبحانك على عفوك بعد قدرتك . وفي ( الصحيح ) : ( ما نقص مال من صدقة ، وما زاد الله عبداً بعفو إلاَّ عزاً ، ومن تواضع لله رفعه الله ) . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال